نواة

بقلم، شكري بن عيسى ..

بعد تعطّل بعثها الفعلي لمدة سنة ونصف كاملة، لم تعمّر الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهيكا) طويلا وسقطت في حالة “شلل” قانوني على الظاهر بعد استقالة اربعة من جملة تسعة اعضاء، آخرهم هذا الاسبوع، بتاريخ 27 ماي، رشيدة النيفر ورياض الفرجاني.

الامر الذي استثمرته نقابة مديري المؤسسات الاعلامية، التي لطالما اتهمت الهيئة التعديلية للاتصال السمعي والبصري بـ”شرطي الاعلام”، لتعلن “العصيان” في وجهها، وتصل الى حد مطالبة الجهات القضائية والرقابية والتشريعية للتحقيق في شأن ما عرض من اتهامات موجهة ضدها.

وهو ما يثير جملة من الاستفهامات حول “الوضعية القانونية” الحالية لـ”الهيكا”، و”شرعية” قراراتها، وعن “الفراغ القانوني” الحاصل في مجال التعديل واسناد الاجازات خاصة، ومن له المصلحة في احداثه، ولماذا تم الان بالذات، وكيف يمكن سدّه وتجاوزه؟

“الهيكا” عايشت خلال فترة السنتين التي اشتغلت فيهما الاهوال، وكابدت الصعاب في ظل واقع اعلامي منفلت مقترن بظرف سياسي معقّد ومناخ اجتماعي حاد.

بوظيفة “تقنية” دقيقة حددها المرسوم عدد 116، المتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري وباحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي البصري، متعددة المحاور، ولكن برسالة في عمقها اصلاحي تأسيسي لمشهد اعلامي حر تعددي متنوع ومتوازن يعارضه بقوة الكثيرون ممن لا مصلحة لهم في الاصلاح، انطلقت الهيئة التعديلية للاعلام في ماي 2013.

“الهيكا” في مواجهة الصعاب.. التناسق المطلوب

ولادة “الهيكا” كانت صعبة جدا، في بيئة طغت عليها رهانات سياسية مصيرية، في ساحة يتجاذبها رموز العهد النوفمبري من جهة وحكومة الترويكا من اخرى ومعارضة شرسة بعد اغتيال الزعيم اليساري شكري بلعيد من ثالثة، ورهانات مالية كبيرة في تنافس حاد بين قنوات فضائية واذاعية تطمح كل منها لغنم اقصى ما يمكن من سوق اشهار بمئات الملايين من الدنانير، والاخطر هو نزعة كل طرف للاحتكار وفي كثير من الاحيان اقصاء الآخر وعدم القبول بالقواعد والمواثيق في عديد الحالات، زيادة على التداخل التقليدي بين المال والسياسة والاعلام الذي يعلو مداه الفترات الانتقالية ويرفع الرهانات الى اقصى مدى.

الهيئة التعديلية للاعلام وجدت نفسها في مواجهة تركة ثقيلة لواقع اعلامي استمر رهينة الهيمنة والتحكم السياسي لعشرات السنين، وانتقل الى حالة “الفراغ” الى حد “الفوضى” على مدى اكثر من سنتين بعد تخلص الشعب من المخلوع في 14 جانفي، وهي تراكمات كرست انحرافات متعددة وخطيرة، كما واجهت في سنتها الثانية تحدي تأمين تنظيم ومراقبة التغطية الاعلامية للفترة الانتخابية (فترة ما قبل الحملة الانتخابية والحملة الانتخابية) للانتخابات التشريعية والرئاسية المؤسسة للعبور لمرحلة الحكم الدائمة بما فيها من رهانات مصيرية للفرقاء السياسيين، وكان العامل الاعلامي اساسيا في حسمها.

وكان لا بد لهذه المهام الخطيرة المعقّدة التأسيسية والاصلاحية والوظيفية من “مواصفات” استثنائية لرفع التحدي وارساء منظومة تعديلية فعّالة وشفافة تضمن حرية الاتصال السمعي البصري وحق كل مواطن في النفاذ للمعلومة وفي الاتصال السمعي البصري، عبر بناء مشهد اعلامي سمعي بصري متعدد متنوّع ومتوازن مهني وشفاف، ومن اهم هذه المواصفات هو وجود ترسانة من التشريعات ملائمة وموارد مالية كافية وتركيبة كفأة ذات خبرة مستقلة نزيهة، والاهم هو التناسق والتضامن بين اعضاء الهيئة لتحقيق الفعالية المطلوبة.

صعوبة التناسق.. الاستقالات المتوالية

ولم يكن مسبقا الحقيقة ليتحقق هذا “التناسق” في ظل الوضعية الدقيقة المعقّدة والمتفجرة التي نشأت فيها “الهيكا”، فكانت الاستقالة الاولى في جويلية 2014 لمحسن الرياحي مرشح هيئة مديري مؤسسات الاعلام التي قادت هجوما كاسحا على “الهيكا” على بلاتوهات قناة “نسمة” وصلت الى حد الطعن لدى المحكمة الادارية في كراسات الشروط، تلتها استقالة اخرى بعد ما يزيد عن الشهر من القاضية رجاء الشواشي في اوت 2014، قبل ان تكون “الضربة” القاسمة باستقالة عضوين آخرين هذا الاسبوع، افقد الهيئة التعديلية النصاب القانوني المحدد بثلثي الاعضاء على الاقل (اي 6 من 9) الذي يفرضه الفصل 21 للمرسوم المنظم للهيئة لاصباغ “القانونية” على جلساتها.

وصارت بذلك الهيئة التعديلية فاقدة حسب الاحكام القانونية الصريحة لشروط انعقاد جلساتها، وبالتالي تصبح قرارتها بلا معنى ولا اثر، ويكفي الطعن فيها امام المحكمة الادارية لالغائها او مجرد طلب تأجيل التنفيذ او ايقافه لابطال كل اثر آني من اجل خرق الاجراءات الجوهرية للنصاب القانوني، وعضو الهيئة هشام السنوسي أكد في اذاعة شمس اف ام يوم 28 ماي ان “الهيئة باتت غير قادرة على اتخاذ القرارات.. وهي لا تمتلك النصاب..”.

نقابة مديري المؤسسات الاعلامية اعتبرتها في بيان صدر بعد يوم من استقالة رشيدة النيفر ورياض الفرجاني (اي يوم 28 افريل) قد “اضمحلت” بموجب القانون، وقررت “عدم التعامل مع ما تبقى من اعضاء الهيئة لفقدانهم الصفة القانونية لتمثيلها او التحدث باسمها”، فضلا عن “رفض اي قرار يصدر باسم رئيس الهيئة او تحت عنوان “مجلسها””، واستثمرت الامر اعلاميا على اقصى درجة وطافت بين الاذاعات والفضائيات لـ”الانتقام” من “الغريم” الاكبر، مركزة خاصة على التهم التي دونت في بيان استقالة العضوين المنشور على صفحة “فايسبوك” رشيدة النيفر لتلحق “الضربة” القاسمة في مستوى مصداقية الهيئة، ولكن ايضا على ما اعتبرته “تضييق من الهيئة على الاستثمار في المجال السمعي البصري وتهديد لمواطن الشغل”.

“المنعرج”.. وضعية التعقيد

بيان استقالة النيفر والفرجاني خلص الى تسجيل “انحرافات متكررة والتي من شأنها ان تفضي الى ارتهان القطاع السمعي والبصري لسلطة المال والسياسة والرياضة” بناء على “خرق الثوابت” المتعلقة بـ”النأي بالهيئة عن الصراعات السياسية وحمايتها من السقوط في قبضة الجماعات الضاغطة المحلية والدولية” اثر اسناد اول دفعة في 24 جويلية 2014، وبعد “المنعرج في ضرب ثوابت التعديل وخاصة منها ضمان التعددية والتنوع” اثر اسناد دفعة جديدة من الاجازات في 20 أفريل 2015، والاشكال الاكبر هنا هو في وجود اتهامات ولو غير صريحة بما يكفي بالسقوط في “قبضة الجماعات الضاغطة المحلية والدولية”، وهي مسألة اعتبارية تضرب الهيئة اكثر مما خلّفه المشكل الاجرائي المتعلق بالنصاب القانوني.

وهو ما ركزت عليه نقابة مديري المؤسسات الاعلامية، وزادت في التمسك على ان “سد الشغورات” لا يمكن ان يكون بنفس الطريقة التي يحددها المرسوم عدد 116 عبر التسمية المباشرة بموجب أمر بعد اقتراح من الاطراف المعنية وفقا للفصل السابع منه باعتبار دخول الدستور حيز التنفيذ والذي يقضي بأن الهيئات الدستورية المستقلة “تنتخب من قبل مجلس النواب بأغلبية معززة” في فصله 125، مضيفة ان تسمية الهيئة ذاتها تغيرت واصبحت “هيئة الاتصال السمعي البصري” حسب احكام الفصل 127 من الدستور، طالبة الغاء المرسوم 116 وسن قانون جديد ينظم الامور بما يتناسب وحاجيات القطاع على حد تصريحات رئيستها التي يبدو انها تساوي بين حاجيات القطاع وحاجيات مديري المؤسسات الاعلامية.

“انتظار اللحظة”.. الاخلال بسرية المداولات؟

وكل الدلائل تثبت ان نقابة مديري الصحف كانت تنتظر هذه اللحظة المناسبة لاعادة توزيع الاوراق وفرض شروطها، ولم يكن “طبيعيا” تصادف استقالة عضوين مع حلول تاريخ التجديد الجزئي للاعضاء بعد سنتين اي 2 ماي 2015 لاحداث حالة اضطراب عميقة مع “الفراغ القانوني” الذي يمكن ان يفضي الى “الشلل” القانوني العام، واذا كان بالفعل اسناد الدفعة الجديدة من الاجازات بتاريخ 20 افريل المنقضي شكل “المنعرج” في ضرب ثوابت التعديل على حد ما جاء في بيان النيفر الفرجاني فالسؤال هنا لماذا انتظار اسبوع لتقرير الاستقالة اذا ما علمنا ان الاستقالة باتت مؤجلة منذ 24 جويلية 2014 تاريخ اسناد اول دفعة من الاجازات بعد اختيار “العمل من اجل تصحيح المسار حفاظا على مصداقية الهيئة وفعاليتها في تأمين مراقبة الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2014″!!؟

الثابت ان هناك مصادفات “غريبة” وتطابق في المصالح من الاستقالات لفائدة نقابة مديري الصحف التي بات يعلم الجميع ان من يقودها فعليا هو نبيل القروي مالك قناة نسمة، وكان لزاما النبش تحت السطوح للوقوف على ما يمكن من حقائق، والامر هنا من الاهمية بمكان لأن صاحبي الاستقالة يعلمان جيدا ما ستؤول اليه الهيئة من انهيار، سيفضي على الظاهر الى الفوضى في القطاع السمعي البصري، وربما الى “امر واقع” جديد يستفيد منه البعض ويخسر من ورائه آخرين وتكون آثاره غير ممكنة التلافي، ولا ندري لماذا الاندفاع مباشرة نحو الاستقالة في حين كان يمكن ممارسة ضغوط واحداث التغيير من الداخل او كشف مخاطر بعض القرارات وتشكيل راي عام مساند لتلافي اثارها السلبية، وهل لم يعد من طريق ثان ولِمَ لم يكن هناك تدرج في القرار خاصة وان “الانحرافات المتكررة” المثارة لم تفض الى ارتهان القطاع السمعي البصري وانما فقط “من شأنها ان تفضي” حسب ما ورد في نص الاستقالة!؟

القضية هنا لها بعد اخلاقي هام، والفصل 12 من المرسوم عدد 116 يلزم الاعضاء بكتمان السر المهني، والامتناع عن اتخاذ اي موقف علني يخل بسرية المداولات طيلة مدة عضويتهم وخلال سنتين انطلاقا من انتهاء مهامهم، والثابت ان الاستقالة لا تكون نافذة الا بعد ان يتم قبولها او بعد انقضاء اجل معيّن، والنظام الداخلي لـ”الهيكا” يحدد اجراءات لذلك، وكان من القانوني والاخلاقي عدم اعلانها وعدم ترك المهمة قبل ان تصبح “نافذة”، وهذا يعكس الى حد مستوى “وعي” و”مسؤولية” العضوين المستقيلين، ويعكس “صدقية” ما ضمنوه في بيانهم الموجّه للراي العام!

اتهامات.. وعبء “اثبات”

الاتهامات الموجّهة للهيئة التعديلية للاعلام خطيرة جدا، وقد سبقتها اتهامات متقاربة من العضو المستقيل العام الفارط محسن الرياحي، الذي رفض في بلاغ استقالته “عدم تطبيق التنظيم المؤسساتي الوارد بالمرسوم 116″ من الهيئة، واصدارها “قرارات اعتبرها مخالفة للقانون” و”غياب تمشي اجرائي.. بخصوص ملف اسناد الاجازات او تسوية وضعية الحاصلين سابقا على رخص” كما استغرب “سكوت الهيئة على اتهامات بالتواطؤ مكتوبة موجهة لبعض اعضاء مجلسها”، وهي (اي الاتهامات) تتراوح بين اخلالات بالقانون والتراتيب واخلالات بمبادىء الحوكمة والشفافية واخرى تمثل جرائم ان ثبت وجود نوايا اجرامية او حصول فوائد شخصية من بعض القرارات.

الطرفان، الهيئة والاعضاء المستقيلين، كلاهما يرمي المسؤولية على الآخر في خصوص اثبات وجود الاخلالات التي يمكن ان ترتقي لجرائم ويستدعي الاعلام والمجتمع المدني مباشرة او غير مباشرة للتحري والتحقيق، ولكن الاكيد ان الاعضاء المستقيلين عليهم بدرجة اساسية “عبء” بل مسؤولية الاثبات وايضا اعلام النيابة العمومية والهيئات الرقابية المالية في صورة حصول جريمة والطعن لدى المحكمة الادارية في صورة حصول اخلالات وخرق للقوانين والاجراءات او انحراف بالسلطة، ما داموا لم يلتزموا بواجب التحفظ. كما ان الهيئة مطالبة في المقابل باثبات نزاهة تصرفاتها وان سلوك اعضائها لا مأخذ عليه، ومحمول عليها ايضا اخبار هيئات الرقابة الادارية والمالية لتدقيق عملها والتحقق من سلامة تصرفها.

معارك ضارية.. لاثبات الوجود

الهيئة واجهت منذ انتصابها وحتى عند تشكيلها حربا ضروسا من قناة “نسمة” التي رفضتها ورفضت بطرق مختلفة مبدأ وجودها والتعديل بشكل خاص، وخصصت لذلك “البلاتوهات” الحاشدة بمحامي الاجرات المجزية المدفوعة من “مالك القناة” على طريقة مفتيي السلطان، واعترضت على كراسات الشروط وعلى تسوية وضعيتها وعلى العقوبات وبصفة عامة رفضت تقريبا كل ما يصدر عن “الهيكا”، التي دخلت في حروب متتالية من اجل الولادة واثبات الوجود والاستقلالية والكفاءة والمصداقية، ولئن كانت معركة “نسمة” هي الاشرس فان حروب كراسات الشروط وتسوية وضعيات الاذاعات والقنوات التلفزية واسناد الاجازات والتعديل والانتخابات الرئاسية والتشريعية لا تقل ضراوة، وكانت “نسمة” دوما طرف اساسي في المواجهة، دون نسيان معركة الفصل 127 من الدستور حول تمتيع الهيئة بصلاحية “السلطة الترتيبية” وحصر مجال تعديلها على قطاع الاتصال السمعي البصري بعد ان كان المشروع الاول يهم كامل القطاع الاعلامي.

اخلالات “الهيكا”.. وشكوك حقيقية

واذ نجحت نسبيا في اغلب هذه المعارك، في مواجهة تدخل المال والسياسة في الاعلام، فانها لم تمر دون ان تخلف اخلالات وشكوك حقيقية لم تقدم الهيئة ما يقنع لابراء ذمتها، واوّل الانتقادات تعلقت بسد الشغور في حالتي الرياحي والشواشي في الآجال القانونية (15 يوما) مثلما يقضي بذلك الفصل السابع من المرسوم عدد 116، ولا ندري هل تم الاتصال في الحالتين بنقابة مديري المؤسسات الاعلامية والهيئة الاكثر تمثيلا للقضاة العدليين لاقتراح معوّض ولم تتلق ردودا بتقديم اقتراحات اسماء ام ان الهيئة التعديلية تجاهلت الامر وبالتالي تتحمل المسؤولية الكبرى، اذ لو تم تعويض العضوين المستقيلين في 2014 لما وقعت حالة “الفراغ” الحالية عند استقالة النيفر والفرجاني، الهيئة على ما يبدو في قراءة معينة للفصل 47 من المرسوم المذكور راسلت رئاسة الجمهورية في الصدد ولم تتلق ردا.

الامر الثاني تعلق بالضبابية التي حفت بتحويل قناة “الحوار التونسي” الى قناة خاصة بعد ان كانت “جمعياتية” والتفريط فيها، وكانت الاتهامات في هذه المرة بصوت عال، دون ان تدفع هيئة الاعلام السمعي البصري بما يقنع عن نفسها الشبهات القوية بوجود فساد في الامر، ولم تكن هذه هي الحالة الوحيدة في الصدد، كما ان مسألة عدم نشر “التقرير السنوي” اثارت نقدا حادا من نقابة المؤسسات الاعلامية، تضاف كذلك مسألة التمويل الاجنبي عبر بعض المؤسسات الدولية لبعض الندوات وما ارتبط به من شبهة التفريط في الاستقلالية والحياد والتخلي عن خدمة المصلحة العامة المنصوص عليهم في الفصل الثامن من المرسوم عدد 116، وهو ما يتقاطع في الظاهر مع بيان الاستقالة الاخير حول ما اشار اليه من “خرق لثوابت النأي بالهيئة عن الصراعات السياسية وحمايتها من السقوط في قبضة الجماعات الضاغطة المحلية والدولية”.

هذا اضافة الى الاخفاقات الجوهرية في رقابة الفترة الانتخابية (ما قبل الحملة والحملة الانتخابية) اذ اكتفت الهيئة برقابة شكلانية “كمية”، وهو ما اعترفت به ذاتها في بيان بتاريخ 16 مارس 2015، بعد تصريحات كل من القروي من انتمائه لحركة “نداء تونس” كمؤسس ومشارك في رسم استراتيجياتها وتصريحات شوكات القيادي والنائب بهذه الحركة بالدور الدعائي الكبير لقناة “نسمة” المساند للحركة ومرشحيها اثناء الحملات الانتخابية في 2014، وهي مسؤولية جسيمة ستظل تتحملها الهيئة على مدى تاريخها.

رد “الهيكا” عن الاستقالة

الرد الذي غاب بصفة رسمية في المرات السابقة، حضر هذه المرة عبر بيان “توضيحي” بامضاء النوري اللجمي كرئيس عن الهيئة المستقلة للاتصال السمعي البصري بتاريخ 27 افريل 2015، تضمن استغراب “الهيئة” للاستقالة خاصة مع تزامنها مع تاريخ التجديد الجزئي لاعضاء مجلسها، واستعمال عبارة “الانحرافات المتكررة”، ونفت فيه (اي الهيئة) اتهامات المستقيلين بالتفصيل المتعلقة بالتشكيك في استقلاليتها وفي ضمان تعددية وتنوع المشهد السمعي البصري، مقرّة بوجود “حالة الفوضى” يتطلب انهاؤها اسناد اجازات جديدة طبقا لمعايير موضوعية. وعبر نفس البيان تحوّل الخطاب باسم “المجلس” في خلاصة تم فيها تقرير “عدم الخضوع لحالة الفراغ المفروضة والقيام بالاجراءات اللازمة لضمان مواصلة عمله”.

تعقّد الحل.. بين تناقض الدستور والمرسوم عدد 116.. وبقية العوائق

البيان لئن قلب عبء اثبات الاخلالات والانحرافات المزعومة على من ادعاها، فانه لم يوضّح بالتفصيل الكافي كيفية استمرار عمل الهيئة دون النصاب القانوني، خاصة وان عملية “سد الشغور” ستتعقد في ظل التباس الى حد التناقض بين المرسوم عدد 116 الذي ينظم المسألة عن طريق اصدار امر من قبل “الرئيس المؤقت” وفق اقتراحات الاطراف المعنية والفصل 125 للدستور الذي يفرض انتخاب الهيئة من قبل مجلس نواب الشعب باغلبية معززة، لا نعلم تحديدا لها (الاغلبية) واجراءات الانتخاب، فضلا عن ان مجلس نواب الشعب “غارق” لمدة قد تطول في ارساء المجلس الاعلى للقضاء والمصادقة على مشروع قانون مكافحة الارهاب.

وحتى في صورة اعتماد احكام المرسوم عدد 116 فان الامر سيأخذ وقتا ليس اقلها بسبب التجاذبات والتأويلات ان لم يكن بسبب تعطيلات متعمدة، ستكون معه الهيئة في وضع “تصريف الاعمال” على حد تعبير عضوها الفاعل هشام السنوسي، لا اكثر وستتعطل معه سلطاتها التعديلية والمتعلقة بمنح الاجازات، وربما ستدخل في عجز مستمر الى حدود وضع القوانين والاليات التطبيقية وانتخاب هيئة جديدة وفق مقتضيات الدستور، ولن ينفع على الارجح استدعاء مبدأ “الضرورة” او مبدأ “استمرار المرفق العام” او التهديد من الغرق في “الفوضى” من اعضاء الهيئة الباقين لتبرير امكانية اتخاذ قرارات ستظل بتراء قانونا دون اي قيمة، وخاصة بلا نفوذ في ظل عدم اعتراف نقابة المؤسسات الاعلامية بها اعتبارا لخرقها قاعدة اجرائية جوهرية.

المستفيد.. بعض جواب

ما ربما بحث عنه البعض ولم يجد له تفسير، هو المستفيد من وضع “الشلل” القانوني الذي دخلت فيه “الهيكا”، افصحت عنه بشكل صريح برغم انه ورد مقتضبا النقيبة السابقة للصحفيين نجيبة الحمروني المقربة من بعض الاعضاء الباقين والمدافعة بشراسة عن مكسب الهيئة التعديلية، في تدوينة على حسابها “فايسبوك” بتاريخ 28 افريل الفارط، معتبرة الاستقالة بمثابة “الانقلاب.. لصالح طرف معين سياسي او مالي” اذا لم يقع اثبات التهم (من العضوين المستقيلين) الخطيرة الموجّهة لاعضاء “الهيكا” وفق كلامها، والحقيقة ان النقيبة السابقة لخصت العداوة الموجهة لهيئة الاتصال السمعي البصري في اسباب موضوعية اساسا برفض ثقافة التعديل والتصدي لتعدد وتنوع المشهد السمعي البصري لغاية الاستحواذ على كعكعة الاشهار خاصة ممن سمتهم “حوانيت الدعاية للنظام الدكتاتوري”.

القنوات المتضررة.. التعويض؟

بعض القنوات والاذاعات التي تنتظر اجازات جديدة او تسوية، قد تكون اكبر المتضررين خاصة وان بعضها صرف في التحضير للانطلاق المليارات، ولا ندري كيف سيكون تصرفها خاصة وان خسارة النشاط في رمضان سيقود الى الافلاس، وقد يكون لجوؤهم للقضاء من اجل المطالبة بتعويض ضد “الهيكا” او ضد اعضائها وخاصة المستقيلين ورئيسها، الذين على ما يبدو لهم ضلعا بخرقهم القانون والاجراءات في التسبب في تعطيل مشاريع الاذاعات والقنوات التي تنتظر الحصول على الاجازات.

“مخرج” قانوني.. واختبار ارادة السبسي السياسية

الحقيقة ان الرجوع للاحكام الانتقالية للمرسوم عدد 116 قد يعطي جزء من الحل للانسداد الحاصل وايجاد مخرج ولكن يظل الامر رهين الارادة السياسية في مستوى رئيس الجمهورية، الفصل 47 من المرسوم المذكور يعطي جزء من الحل باعتباره يخص رئيس الجمهورية قبل ارساء المؤسسات التشريعية والتنفيذية على اساس الدستور الجديد بتعيين اعضاء الهيئة، وهو ما ينطبق على واقع الحال باعتبار انه لم يقع سن قانون تطبيقي ملائم للدستور في الصدد، غير ان الاشكال يتعلق بان الفصل المذكور اشار الى ان “الرئيس” المعني هو “رئيس الجمهورية المؤقت” وان الامر يتم بـ”التنسيق مع الهيئة الوطنية المستقلة لاصلاح الاعلام” التي اصبحت غير موجودة، وهو امر يمكن تجاوزه في صورة تجاوب رئيس الجمهورية لايجاد مخرج بتأويل موسّع للمرسوم المنطبق.

الحسم وجب ان يكون سريعا، والاختبار هنا سيكون مباشرا للرئيس السبسي، لاظهار مدى التزامه بما رفعه من شعارات دعم حرية التعبير واستقلالية الاعلام، ولاثبات ان “الانقلاب” الذي تحدثت عنه الحمروني لم يكن منظما من الحزب الذي كان يترأسه، او لم يكن لفائدة احدى القنوات المملوكة من احد “رجالاته”، وفي كل الحالات فان الاتهامات الموجهة سواء في السابق او حاليا للهيئة وجب تحويلها على عجل للقضاء وللهيئات الرقابية للتحقق من نزاهة ومصداقة واستقلالية الهيئة، فلا يكفي ايجاد “المخرج القانوني” في ظل استمرار الشبهات المتعددة، وفي المقابل للوقوف على امكانية وجود “انقلاب” من عدمه من صنع الاعضاء المستقيلين ومن شاركهم.